"أمجاد": تعيش العاصمة نواكشوط منذ مدة أزمة كهربائية حادة، سببت إزعاجا كبيرا للمواطنين،باعتباركم مديرا عاما سابقا لشركة "صوملك" المعنية بالمعضلة، ماهو تفسيركم لهذه الأزمة وهل كنتم تتوقعونها بهذا الحجم؟
هيين: هذه أزمة كبيرة وكانت متوقعة، علينا أولا أن ننظر إلى المقارنة بين العرض والطلب من ناحية الطاقة الكهربائية في نواكشوط، الطلب تقريبا حسب الأزمنة يتراوح بين 60 إلى 70 ميغوات، بالنسبة للطلب زاد كثيرا ،وللعلم فالمحطة الرئيسية عندنا في عرفات لا تنتج سوى 25% من حاجيات نواكشوط،أما محطة لكصر فأقصى ما تنتجه 12% من الطاقة وهذه كلها قادمة تقريبا قادمة من مانانتالي في ضفة النهر،والمجموع يناهز 40 إلى 50 ميغوات،وبالتالي يبقى لدينا عجز هيكلي structurelle ليس عندنا ما نعوضه به أو نغطي النقص الحاصل في مجاله،وهذا ما تنتج عنه أزمة مزمنة وباقية.
يمكن أن نغطي هذا العجز بشرط الحصول على طاقة إنتاجية ليست موجودة عندنا اليوم ،وفعلا هذا ما لجأنا له في الماضي من 2006-2007 إلى 2009،وكنا نقول إنه خلال سنة أو سنتين سنجد حلا نهائيا لهذه الطاقة الإضافية الباهظة الثمن، إنها ليست مجانية أبدا.
"أمجاد": ماهي المشاكل التي تواجه الشركة الوطنية للكهرباء في تصوركم وانطلاقا من تجربتكم السابقة في إدارتها؟
هيين: هذا يتطلب تحليلا لوضعية "صوملك"،ودعني أبدأ بأهم النقاط في هذا السياق.
أولا:"صوملك" عندها معدات أصبحت قديمة obselette ومنها المحطة الأساسية في عرفات،أما الباقي فهو شيئ تكميلي ، وتلك الموجودة في عرفات هي الأساسية كما أسلفت القول،وهي تشتغل بالوقود الثقيلfuel oil وهو أرخص وقود موجود،والباقي تكميلي لا ينبغي أن يكون أساسيا.
أعود فأجدد القول إن محطة كهرباء عرفات استنفدت عمرها الافتراضي،لقد انتهت تماما من حيث الزمن الفني لهاولم تجدد في الوقت المناسب،إن عمرها قد فات وفات.
بالنسبة للوقود الثقيل الذي تعمل به محطة عرفات ،هذه المولدات عبارة عن هيكل غير محكم فيه، يمكن أن نقوم له بصيانة ونشتري له قطع غيار جديدة،ولكن النتيجة غير مضمونة،والأساسي في المحطات الكهربائية هو التحكم فيها.
يقول البعض إذا عملت كذا وكذا سأحصل على النتيجة الفلانية المضمونة،ولكن هذا لم يعد ممكنا اليوم.
يمكن أن نقوم بإصلاحها وصيانتها وتستمر مثلا في العمل لمدة شهر-شهرين وحتى سنة كاملة دون أن تحدث مشكلة كبيرة،ولكن يأتي زمن بعد ذلك ينهار فيه كل شيئ، لأنه لا يوجد تحكم في مثل هذه المحطات الكهربائية.
هذا هو أول عامل في المعضلة الراهنة، العامل الثاني هو العامل المالي،"صوملك" عندما غادرتها شخصيا في عام 2008 كانت محتاجة إلى عشرين مليار اوقية لابد منها للقيام بالإصلاحات الجوهرية المطلوبة،كان لابد أن تضخ فيه ضخا من طرف الدولة لأن رأس مالها تآكل ولم يعد موجودا، وهي تعاني من المديونية التي لا يمكنها أن تسددها إطلاقا، ودخلها لا يمكن أن يغطي أيضا هذه الديون،وهذه المديونية طبعا داخلية من ناحية الزبناء بجهاتهم المختلفة.
مثلا البنوك الوطنية ديونها التي تطالب بها شركة "صوملك" تبلغ خمسة عشر مليار أوقية تقريبا، وبعد ذلك تأتي lomvs أي منظمة استثمار نهر السينغال ومانانتالي ،هذه الجهة تطالب الشركة بديون كثيرة جدا،والمشكلة المطروحة دائما أن زبناء"صوملك" العاديين لا يدفعون ديونهم المستحقة عليهم للشركة،"صوملك" حاليا من مايو2008 تعتمد فقط على الخصوصيين، يمكن أن تطلب منهم التسديد، ولكن هيئات الدولة الكبيرة وذات الاستهلاك الكبير جدا لا تسدد ماعليها لصوملك، ولا يمكن للشركة أن تقوم بقطع التيار الكهربائي عنها، وهذا ما سأعود إليه في محور تحديد المسؤوليات.
المسألة الرابعة هي أن الدولة ليس لديها تخطيط، الدولة تكلف صوملك بعمليات والشركة ليست عندها إمكانيات للقيام بها،وتداعياتها لا تضعها الدولة في ميزان تخطيطها للأمور.
الدولة لا تخطط لأي شيئ يتعلق بالشركة،يقول لك السياسيون مثلا نحن سنقوم بإنجاز محطة كهربائية في باركيول،وهذا تعهد انتخابي هام، لكن محطة في باركيول أو في غيرها علميا وفنيا تكلف شراء معدات وبعد ذلك أيضا سيبقى فيها عجز مستمر لأن هذا النوع من المحطات يشتغل بالغازوال أي الوقود العادي.
إذن يمكن أن نعيد ترتيب المشاكل التي تعاني منها "صوملك" على النحو التالي:
العامل الأول:غياب المعدات الضرورية
العامل الثاني :المديونية المتراكمة عليها
العامل الثالث:مشكلة تحصيل الفواتير من طرف الزبناء خاصة الفواتير الصعبة
العامل الرابع:ارتجالية التخطيط من مسؤولي الدولة الموريتانية
وأشير هنا إلى أنه لا يوجد لدى الولة تشاور مع الخبراء،ولا أي شيء من هذا القبيل،فقط أوامر عمياء لا تخضع لأية دراسة ولا استشارة فنية والنتيجة عاجلا الفشل الذريع؟
وهذا النوع من المحطات يجب أن يكون لديه دعم مستمر من طرف الدولة في شكل هبة رسمية أو مساعدة دائمة.
الدولة تقوم بهذا النوع من المشاريع ولكنها لا تدفع له أي شيئ لضمان نجاعته واستمراره في خدمة المواطنين وهذه هي المأساة.مجرد تعهدات انتخابية بلا التزامات مالية ولا فنية في المستقبل،والمشكلة تظل تتفاقم يوما بعد يوم حتى تصل حد الذروة أو مرحلة التعطل النهائي كما هو واقع الآن في نواكشوط عاصمة البلاد
هذا عامل آخر،إذن نحن كما يقال: نزيد الحطب على النار المشتعلة أصلا،والسبب هو عدم تحمل الدولة لمسؤولياتها وخاصة مسؤولية الطبقة السياسية،والتي لا تفكر في عواقب الأمور،وأقصد هنا الأمور الفنية البحتة والتي لابد لها من أصحابها المختصين.
و"صوملك" نبحث الآن عن كيفية تغرق بها كما يقال،هذا هو واقع الشركة للأسف.إنها تغرق تغرق تغرق،ولقد نسيت أن أذكر في البداية أن الهيئات الكبيرة في الدولة لا تسددماعليها لصوملك،أصبحت صوملك وكأنها بنك للدولة تقترض من البنك الفلاني لكي تمول فاتورة ما يمكن أن نسميه الهيئة التابعة للدولة الفلانية،هذا من جهة من جهة ثانية هنالك عامل آخر لاتتحكم فيه صوملك هو الوقود(الغازوال) والمحروقات بصفة عامة،والمعروف أن المحروقات أسعارها ترتفع وتنخفض والشركة لا تتحكم في ذلك.
العامل الخامس في الإشكالية هو التسعيرة،وهذه أيضا لاتتحكم فيها صوملك،هي محددة سلفا من طرف الدولة،الدولة مثلا تقول إنها ستخفضها لأسباب سياسية أو تزيدها لأسباب معينة،وارتفاعها نادر،والمستهلكون منزعجون والكهرباء ستبقى غالية لأنها تأتي عن طريق المحروقات وستبقى غالية لأنها تابعة لأسعار المحروقات في العالم وخصوصا هي تابعة لسعر الغازوال.
"أمجاد":كيف تحددون المسؤولية بالتفصيل في جوانب أزمة الكهرباء اليوم؟
هيين: انظروا معي إلى العوامل المختلفة،إذا اتينا بها ماهو مجال تحكم صوملك فيها وماهو مجال الآخرين في التحكم فيها أيضا.
صوملك مظلومة ومظلومة جدا،الاستثمارات حكر على الدولة وهي التي تأتي بها،أسعار الكهرباء الدولة أيضا هي التي تتحكم فيها، أصبحت بنكا فقط للدولة،صوملك لا تتحكم في أي شيئ من هذه العوامل سالفة الذكر، وغازوال بديهي أنها ايضا لا تتحكم في أسعاره.
إن صوملك حسب التعبير الشعبي:"لحم الرقبة موكول ومذموم"،هذه هي العبارة التي أراها مناسبة لوضعية الشركة اليوم والمشاكل الموجودة فيها وموقف الدولة منها،لا تتحكم في أي شيئ جوهري مهما كان، قرار الاستقلالية ليس لديها على الإطلاق،ومع ذلك يقولون في الصالونات وفي الشارع:صوملك فعلت وفعلت وفعلت.
المسؤول ليس صوملك، المسؤول الحقيقي هو الدولة الموريتانية والحكومة الموريتانية وليس أحدا آخر،ودعوني أقولها هنا بكل صراحة بكل صراحة تامة.
"أمجاد": والآن ماهي الحلول الممكنة في نظركم؟
هيين: قبل الإجابة على هذا السؤال الهام أشير إلى قضية اخرى وهي أننا نحن والآخرون معنا في المنطقة أصبحنا نشكل مشكلة كبيرة لمانانتالي ،عندما يحين وقت تسديد ديون lomvs ما