لا يستقى و اعلي الشيخ في المدينة/ سيدي علي بلعمش

كتبهاhandhala ، في 7 سبتمبر 2009 الساعة: 23:20 م

 

     

من أكثر ما حير "الآخر" عند احتكاكه بإنسان الصحراء هي مسألة دقيقة اعتبرها في البداية عارضة فتجاوزها ليعود إليها بعدما قام  بدورة كاملة من حوله من دون أن يستطيع فهمه، ليفك كل أسراره من خلالها، هي بكل بساطة أن البدوي يطرح أسئلة فلسفية و يرد بردود ساذجة؟

 

 

لست ممن يعطون أنفسهم حق ممارسة الأستذة على الناس و سأتحاشى الوقوع في مستنقع التعريفات الخاطئة حتى لا أحول الكتابة إلى غاية مغموز فيها تبحث عن من تقدم له خدماتها في زمن الابتذال المعرورف .

ـ لا حرمة لمن يعق وطنه ..

ـ لا وقاحة أكبر من استباحة شعب بأكمله ..

ـ لا ذمة لمن لا ذمة له ..

ـ و "لست بحاجة إلى الخيال .. إن الواقع أشد هولا" كما قال غابرييل غارسيا ماركيز :

ـ ستكون الكتابة أفضل حتما ـ مما يريد لها الأستاذ اعلي الشيخ أحمد الطلبة ـ  حتى لو ظلت مجرد تعبير عن الأفكار بطريقة عبثية..

ستكون الكتابة أسمى قطعا حتى لو لم تكن سوى وسيلة لتجريح الآخرين ..

و ستظل الكتابة أنبل و أروع و أصدق بكل تأكيد ما دامت تجرح و تنكأ و تذكر و تستنكر و تشجب ..

كان على أعلي الشيخ "ككاتب" (هكذا وصف نفسه) ـ ألحقه كاف التشبيه بركب لا يعرف إلى أين يتجه ـ أن يفهم قبل أن يتفهم ، أن الكتابة خروج على المسموح .. على المقبول .. على المألوف .. على الممكن .. على السلطان .. على الرتابة .. على الخنوع .. على السائد .. على المستحيل…

الكتابة يا أستاذ ترفض أن يحشرها من شاء في زاوية ما يريد .

ـ ترفض أن يحدد مهمتها من يبحث لكل شيء عن مهمة .

ـ  ترفض أن يرسم ملامحها من يكتب ليكون .

ـ  ترفض كل أنواع الخضوع للقوالب الجاهزة .. و المقالب المجهزة ..

الكتابة يعيبها يا سيدي أن تكون أكاديمية .. و يبطل مفعولها أن تكون متذاكية .. و يسيء إلى سمعتها أن تكون بنت الأفاضل الحيية.

لقد ذكرني تعلقك بآكاديمية الكتابة  في مقالك المتجمل بمقولة لآناتول فرانس أحببت دائما تألقها و تبجح مرماها: ""يتمسك المسنون بأفكارهم .. ربما لهذا السبب يقتل سكان جزر فيجي أقرباءهم عندما يطعنون في السن و هم بذلك يستهلون عملية التطور ، أما نحن فنعرقلها و نشيد (للتشبث بالرأي) الأكاديميات".

الكتابة ـ و اسمعها أنت مني ـ هي صرخة المكلوم .. هي ردة فعل المظلوم .. هي طفرة مزاج المغمور .. هي خيلاء المزهو .. هي غرور المتعالي .. هي نزق المتمرد .. هي تعنت الرافض .. هي توهج المهلهل ..هي تهكم الشجي .. هي تفرس الوجي …

فكيف تريدها رسالة غفران تتسول عطف العابثين .. تبحث لكل مجرم عن أسباب إنسانية .. تتلمس الأعذار لكل طاغية؟

منطقي جدا و عاقل و متزن و مثقف عصري التفكير ، مرهف الحس و رومانسي الخيال من يغضب من الإساءة إلى طاغية تعجز الكلمات عن رسم وجه من بشاعته و يفهم بعقل مثقف و يتفهم بتفكير ديمقراطي و يمنطق بتحليل آكاديمي إذلال شعب بريء بكامله .. تجويع شعب كامل .. تركيع شعب كامل ؟

كم أنتم مثقفون .. كم أنتم ديمقراطيون .. كم أنتم معاصرو التفكير .. كم أنتم متزنون و فاهمون و متفهمون .. كم أنتم واقعيون؟

الأخلاق و اللياقة و اللباقة ليست مسلمات يا اعلي الشيخ .. ليست عبارات جوفاء نملؤها بما نريد.. ليست خطاب معارضة يمكن خطفه منها في سباق عكس التيار تبرر صدقه نتيجة يؤمن بها من يشاء و يكفر بها من يشاء !

الأخلاق تحتاج إلى من يؤمن بها قبل من يدافع عنها.

الأخلاق تحتاج إلى من يحميها لا إلى من يبرر تهجينها .

و الكاتب الذي يستحضر صورته لا يدافع إلا عن نفسه .

 و لا تحتاجه الكتابة و لا يحتاجها، من لا يريد سوى صون عرضه من خلال صون عرض الآخرين : أنت تخلط كثيرا بين الكاتب و من لا يحق له أن يكتب .. أنت تحاول تجريد الكاتب من كل أسبابه .. أنت تحاول أن تحول الكتابة إلى مجرد شاهد زور.

من حقك أن تشهد بما تشاء لكنه ليس من حقك أن تفسر الكتابة بما فيك و لا بما تنحاز له و سأكتفي بقول "ليس من حقك" تفاديا للإحراج (و هو ليس من طبعي)  إكراما لمهادنة نهجك رغم افتتانك بأسلوب النفي بالتأكيد و ما انطوى عليه من أمور فضلتُ تجاوزها هنا لمباشرتها و ضيق دائرة أهميتها.

إن وصف معاوية بالسخيف كلام مجاني عند اعلي الشيخ و مساس برمز وطني مقدس و هو عنده مما لا يسمح به في أخلاق الكتابة ، و يذهب في استطراده حتى يقول : "يبدوا لي أن أخي سيدي ولد بلعمش كان يغمره شعور بالغثيان والحمى عندما كتب هذه الأسطر وهو يصف رئيسه السابق معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، الرجل الذي حكم موريتانيا عقدين من الزمن والذي قد يشفع له ذلك على الأقل بأن لا يهان و يوصف بأوصاف لا تليق بأي عدو كان" هذا هو الكلام العلمي و الأكاديمي، المبرر بالأرقام و الوقائع عند الأستاذ اعلي الشيخ الذي يدعونا للتخلص من نزقنا و حدتنا و مباشرتنا لنكون مثقفين و أكاديميين و ملتزمين بأخلاقيات الكتابة؟

إن وصفي لمعاوية بالسخيف يا اعلي الشيخ ليس نقدا و لا انتقادا و إنما هو وصف قد تنقصه الدقة لكنه يظل قطعا أقرب إلى صورته في مخيلة الناس مما وصفته أنت به ، لا سيما حين تقول " … عند ما كتب هذه الأسطر و هو يصف رئيسه السابق معاوية …"  ربما كان معاوية رئيسك أنت و هذا هو كان مكان شرح "حق الاختلاف" لكنه يبدو واضحا أنك تعرف جيدا أين تحتاج  أن تكون أنت؟

من حقك يا اعلي الشيخ أن تنظر للأشياء بأكاديمية من ثقب الإبرة متى شئت .. و أن تخرج جمل السخافة من ثقبها متى شئت، لكنني حاولت أن أكتفي هنا ـ على نصيحتك ـ  بإشارات خجولة إلى عدم ضرورة إعطاء الدروس في مجال معقد ما كان من الضروري فقط أن تنصب نفسك حكما فيه.

و سأحاول هنا أن آخذ بنصيحتك مرة أخرى : "أخي لا يحق لك أبدا أن تصرح و تصم الرجل بأنه ‘أتفه الناس’، فأنت لست من يحكم على الناس أو من يقيم أخلاقهم وآدابهم." لكن ما يمكن أن أفهمه من هذا الكلام لا يحتمل إلا و جهين : الأول أن تكون أنت وحدك من يحق له أن يحكم على الناس و الثاني أن لا يكون هناك من يحق له أن يحكم عليهم؟ و في الحالتين لا أقول إنني لا أفهمك فحسب بل إنني أشك (جازما ) في أنك تفهم ما قلته ؟ تماما مثل قولك : " اسمح لي أن أقول بأن أكبر حقيقة حسب فهمك قد تكون أشنع كذبة حسب تصور شخص آخر" فهل تأتي هنا بإشكال أو بحل؟ و ما هو الحل في رأيك : هل آخذ بما عندي أو آخذ بما عندك أو أضرب عن الفهم؟

هذا هو ما يسمى بشطح "الفكر الراغب" و هو ليس ممدوحا عند الكثيرين لكنني لن أعتمده لاتخاذ موقف منك لأن تلك ليست غاية عندي و إن كانت في النفس غصة من تبجح قولك :"الكتابة ليست تعبيرا عن الأفكار بطريقة عبثية" : كأنك الناطق الرسمي باسمها ؟ فمن أين تأتي بهذه المسلمات يا أستاذ؟ هل تفهم معنى جراءتك على إطلاق الأحكام على كل ما يقع في مرمى نيرانك؟

ـ "لا بد للكاتب أن يستحضر صورته" :  لا شيء يغضب الكتاب أكثر من قولك "لا بد للكاتب" و لا أعتقد أن من يقولها يمكن أن يكون كاتبا بأي معجزة ؟

ـ  " لو أنك أعدت صياغة فكرتك بطريقة مسؤولة وأخلاقية لقبلتها منك بل ولشاطرتك الفكرة" كأنه يكفيني أن تقبلها مني أو تشاطرنيها؟  ألا ترحم نفسك يا رجل ؟ هل لا بد أن نقولها لك بالصريح؟

و كان علي أن أمد رجلي بعد قولك : " قد تعبر عن رأيك بالكتابة و هو رأي مقبول وجميل مع بعض التحفظات على طريقة التعبير والبناء النسقي لأفكارك وعلاقتها بالعنوان. فلماذا "قلت عطشان يا دمشق…قالت اشرب دموعك"؟ ما هي علاقة دمشق بالسياسة في موريتانيا ؟ لما العطش وأنت على شاطئ المحيط ؟ أم أنه نوع من الهوس بالمشرق و العطش إلي القومية العرجاء ؟  أستطيع الآن أن أطلبك المعذرة .. الآن أستطيع أن أقول إنني فهمتك؟  الآن فهمت أنه أصبح بإمكاني أن أشرب ماء البحر بعد هذه الفتوى العظيمة؟ الآن فهمت أنني أحتاج إلى جهاز نظام الملاحة الدولية لمعرفة موقع أفكارك مني؟ الآن فهمت لماذا تتجرأ دون تحفظ على قول "على الكاتب …"

يقول "مارسيل بروست" يا أستاذ أعلي الشيخ أحمد الطلبة : "رحلة الاكتشاف الحقيقية لا تشمل استشراف أفاق جديدة فقط و لكن امتلاك أعين جديدة". و "لا بد، للكشف عن الحق من اثنين : رجل يجهر به و رجل يفهمه" كما قال جبران خليل جبران .

أنت تستشرف الآفاق بأعين قديمة و ترفض الجهر بالحق و تنسى أنك لا بد أن تغمض عينيك لترى بوضوح ، فتأمل قول الشاعر الأيرلندي الساخر برنارد شو، فربما كان أقدر مني على توصيل الفكرة :" قليلون منا يتعلمون من أخطاء الآخرين .. البقية عليهم أن يكونوا الآخرين"

و الذكاء يا أستاذ هو اكتشاف أوجه التشابه بين الأشياء المختلفة .. و أوجه الاختلاف بين الأشياء المتشابهة" كما قالت مادام دي ستال ، فتعلم أن تضع الأشياء في مكانها كي لا تضعك في مكانك!   

كنت أحوج إلى الاهتمام بتوظيف الرموز الحية في نصك أكثر من اهتمامك بالدفاع عن الرموز الوطنية لأن الأولى تدخلك آفاق الكتابة و الثانية تخرجك من أسبابها .

و هذا مجرد رأي لأنني لا أملك شجاعتك في إطلاق الأحكام و لا أكاديميتك في التأصيل لآكاديميتها.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقال | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر